السيد عبد الأعلى السبزواري

212

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

بالنسبة إلى المؤمنين الخاشعين وإنذار للعاصين المذنبين . وأنهم اليه راجعون لتوفية جزاء أعمالهم بما قدموه من صالح الأعمال . والتعبير بالرجوع من حيث كونه تعالى مبدأ الكل فيكون منتهاه أيضا . والظن : مرتبة من الإعتقاد ، وهو مما يضعف ويشتد ، ويعبر عن الثانية ب ( اليقين ) والمائز بينهما القرائن الخارجية أو الداخلية ، قال تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ [ سورة الحشر ، الآية : 2 ] أي حصل لهم اليقين بذلك وكذا في المقام فإن مقام الخشوع لا يناسب إلّا مع اليقين فلا تنافي بينه وبين قوله تعالى : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ سورة البقرة ، الآية : 4 ] . ولعل في التعبير بالظن إشارة إلى أن الخاشعين اكتفوا بالظن فاشتد خوفهم منه وهانت عليهم مشاق الدنيا فكيف بمن تيقن بالملاقاة ، وتوبيخ منه بالنسبة إلى هؤلاء الآمرين بالبر الذين ينسون أنفسهم بأنهم لم يتمكنوا من تحصيل الظن من تلاوة الكتاب ليحملهم على العمل الصالح ، أو لأن لشدة كونهم في مقام الخوف والرجاء لا يعتمدون على يقينهم لما يرد عليهم ، فعبر تعالى بالظن سوقا للكلام على مراد المخاطب ، ويشهد لذلك قول نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان اللّه تعالى حتّى يكون وقت نزع روحه - الحديث - » . ويصح أن يراد بكلام واحد وجوه متعددة باعتبارات مختلفة . إن قيل : اللقاء والملاقاة من صفات الأجسام الخارجية وهو تعالى منزه عنها ، فلا يناسب الإطلاق عليه عزّ وجل . يقال : إن اختصاص اللقاء بالأجسام أول الكلام فقد ورد في قوله تعالى : حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [ سورة الطور ، الآية : 45 ] مع أن اليوم ليس بجسم ، ومع ورود التنصيص بذلك في الكتاب الكريم فلا وجه لهذا الإشكال ، وإنما حصل الإشكال من كثرة الأنس بالماديات وإلّا فالتلاقي في عالم الرؤيا وعالم البرزخ واقع حقيقة ، قال تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ [ سورة الأعراف ، الآية : 147 ] وقال تعالى : قَدْ